الشيخ محمد رشيد رضا

528

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مجرد وجودهم ، وإذا كان الاستهواء بتخيلات لا حقيقة لها يكون التشبيه أبلغ وأقوى ، وخلاصته أن من يتبع داعي الشرك كالمستهوي بما لا حقيقة له من الأوهام الضارة الشيطانية ، التي تنسب إلى الاغوال الخيالية . ولا يقتضي ذلك انكار الجن والشياطين ، وما كان الزمخشري ولا شيعته من المنكرين ، وانما الجن من عالم الغيب ، لا نصدق من خبرهم الا ما أثبته الشرع ، أو ما هو في قوته من دليل الحس أو العقل ، ولم يثبت شرعا ولا عقلا ولا اختبارا أن شياطين الجن تأكل الناس ، ولا أنها تظهر لهم في الفيافي والقفار ، كما كانت تزعم العرب وغير العرب في طور الجهل والخرافات . وأما حديث خرافة فقد رواه الترمذي في جامعه وفي الشمائل من طريق أبي عقيل عبد اللّه ابن عقيل الثقفي وأبو عقيل مختلف فيه وثقه أحمد وأبي داود وروي عن بن معين أنه منكر الحديث ، والظاهر أنه قد ذكر على سبيل الحكاية ، فهو نحو مما نقله الكلبي عن العرب من أنه رجل من بني عذرة أسرته الجن في الجاهلية فأقام فيهم زمنا ثم أعادوه إلى الانس فكان يحدث بما رأى فيهم من العجائب ، فصار الناس يقولون « حديث خرافة » لكل حديث مستملح يكذبونه . على أن ما عساه يثبت لبعض الافراد على خلاف الأصل لا يتخذ دليلا على صدق ما كذبه الحديث الصحيح من أخبار الاغوال ونحوها ، وهذا الحديث غير معارض لهذه الآية حتى على هذا القول في التشبيه ، لجواز أن يسمى ما كان يتراءى لهم بالشيطان لقبحه وضرره ، وان كان كالسراب لا حقيقة له في نفسه ، أو يكون حيوانا مفترسا تمثله الأوهام بأشكال مختلفة ، وراجع ما يقرب لك هذا في تفسير ( وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) - 47 ج 6 تفسير - فان فرضنا وقوع التعارض على هذا القول نمنعه بترجيح ( القول الثاني ) عليه وهو أن الذي استهوته الشياطين في الأرض هو الذي أضلته بوسوستها ، وحملته على اتباع هواه فاتخذ دينه لعبا ولهوا ، وغرته الحياة الدنيا فآثرها على الآخرة لانكاره إياها أو عدم إيمانه بوعد اللّه ووعيده فيها . وهذا في معنى الرواية الأخرى عن ابن عباس قال : هو الرجل الذي لا يستجيب لهدى اللّه وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وجار عن الحق وضل عنه . الا أن في هذه الرواية ان أصحاب المستهوى الذين يدعونه إلى الهدى ، هم الضالون المتبعين للهوى ، وانما يصحب الانسان أمثاله ، فالمراد يدعونه إلى